الذهبي
179
سير أعلام النبلاء
وقال أبو مروان بن حيان : وممن قتل يوم أخذ قرطبة الفقيه الأديب الفصيح ابن الفرضي ، ووري متغيرا من غير غسل ، ولا كفن ولا صلاة ، ولم ير مثله بقرطبة في سعة الرواية ، وحفظ الحديث ، ومعرفة الرجال ، والافتنان في العلوم والأدب البارع ، ولد سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة ، وحج سنة اثنتين وثمانين ، وجمع من الكتب أكثر ما يجمعه أحد في علماء البلد ، وتقلد قراءة الكتب بعهد العامرية ، واستقضاه محمد المهدي ببلنسية ، وكان حسن البلاغة والخط ( 1 ) . قال الحميدي ( 2 ) : حدثنا علي بن أحمد الحافظ ( 3 ) ، أخبرني أبو الوليد بن الفرضي قال : تعلقت بأستار الكعبة ، وسألت الله تعالى الشهادة ، ثم فكرت في هول القتل ، فندمت ، وهممت أن أرجع ، فأستقيل الله ذلك ، فاستحييت . قال الحافظ علي : فأخبرني من رآه بين القتلى ، ودنا منه ، فسمعه يقول بصوت ضعيف : " لا يكلم أحد في سبيل الله ، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك " ( 4 ) . كأنه يعيد على نفسه الحديث ، ثم قضى على إثر ذلك رحمه الله . وله شعر رائق فمنه :
--> ( 1 ) " الصلة " 1 / 253 ، و " تذكرة الحفاظ " 3 / 1077 . ( 2 ) في " جذوة المقتبس " 255 . وانظر " الذخيرة " ق 1 / ج 2 / 614 ، 615 ، و " بغية الملتمس " 335 ، و " تذكرة الحفاظ " 3 / 1077 ، 1078 ، و " نفح الطيب " 2 / 130 ، و " وفيات الأعيان " 3 / 106 ، و " المغرب " 1 / 103 ، 104 . ( 3 ) هو الإمام الكبير أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، صاحب " المحلى " في الفقه ، متوفى سنة 456 ه ستأتي ترجمته في الجزء الثامن عشر برقم ( 98 ) . ( 4 ) أخرجه من حديث أبي هريرة مالك 2 / 461 في الجهاد : باب الشهداء في سبيل الله ، وأحمد 2 / 231 ، والبخاري ( 2803 ) ومسلم ( 1876 ) .